مجد الدين ابن الأثير
235
البديع في علم العربية
وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 1 » ، كأنّه قال - واللّه أعلم - : لا يعلمها إلّا هو وهي في كتاب مبين « 2 » ، فإن قلت : ما أكل أحد إلّا الخبز إلّا زيدا ، فهذا ليس فيه إلّا نصب زيد ؛ لأنّ الكلام موجب في المعنى ، كأنّك قلت : كلّ النّاس أكل الخبز إلّا زيدا ، وكذلك : ما جاءني أحد إلا راكبا . إلّا زيدا ، كأنّك قلت : كلّ أحد جاءني راكبا إلّا زيدا . الحكم الثامن : إذا اجتمع " إلّا " ، و " غير " ، فاجعل أحدهما استثناء والآخر صفة ؛ تقول : ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو ، وما مررت بأحد إلّا وتدا غير زيد ، قال شيخنا « 3 » : ولا أعلم لصرفهما عن الاستثناءين معنى ، ولا عن الوصفين إذا كانا مفترقين ، فإن عطفت جاز رفعهما جميعا ، تقول : ما جاءني أحد إلا زيد وغير عمرو ، فأمّا قول الشاعر « 4 » : ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلّا دار مروانا
--> ( 1 ) 59 / الأنعام . ( 2 ) انظر : التبصرة 379 . ( 3 ) أبرز شيوخه في النحو هو : ناصح الدين أبو السعادات أبو محمّد سعيد بن المبارك بن علىّ بن الدّهّان البغداديّ المتوفى سنة تسع وستين وخمسمائة ، وقد ذكر ابن الأثير في مقدّمه " البديع " أنّ له كتابا شرح فيه فصول ابن الدّهّان ، وسمّاه " بغية الراغب في تهذيب الفصول النحويّة " ، كما أنّ " البديع " يعدّ أيضا شرحا مبسوطا مطوّلا لفصول ابن الدّهان . انظر ص 2 في المقدّمة . وقد صرّح ابن الأثير في البديع بالنّقل عن شيخه بقوله : " قال شيخنا " أربع مرّات ، ولم أقف على نصّ كلام شيخه في هذا الموطن ، وعثرت على نقوله الأخرى في " الغرّة " لابن الدهان ، وهو شرح لكتاب " اللمع " لابن جني ، وقد قرأ ابن الأثير النحو - أيضا على مكيّ بن رياّن بن شبّه بن صالح النحوىّ الضرير المتوفىّ سنة ثلاث وستمائه ، وقرأ النّحو على غيرهما أيضا . ( 4 ) قيل : هو الفرزدق ، ولم أعثر عليه في ديوانه المطبوع . والبيت من شواهد سيبويه 2 / 340 . وانظر أيضا : المقتضب 4 / 425 ، والأصول 1 / 303 . مروان : هو مروان بن الحكم الأمويّ .